ابن تيمية
43
منهاج السنة النبوية
وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَضْعَافُ ذَلِكَ ، وَمِنْهَا مَا مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ . ثُمَّ يُقَالُ : عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ بَلَغَ مِنْ عِلْمِهِ وَعَدْلِهِ وَرَحْمَتِهِ بِالذُّرِّيَّةِ أَنَّهُ ( 1 ) كَانَ لَا يَفْرِضُ لِلصَّغِيرِ ( 2 ) حَتَّى يُفْطَمَ ( 3 ) ، وَيَقُولُ : يَكْفِيهِ اللَّبَنَ ، فَسَمِعَ امْرَأَةً تُكْرِهُ ابْنَهَا عَلَى الْفِطَامِ لِيُفْرَضَ لَهُ ، فَأَصْبَحَ فَنَادَى فِي النَّاسِ : أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَفْرِضُ لِلْفَطِيمِ وَالرَّضِيعِ ( 4 ) . وَتَضَرُّرُ الرَّضِيعِ كَانَ بِإِكْرَاهِ أُمِّهِ لَا بِفِعْلِهِ هُوَ ، لَكِنْ رَأَى أَنْ يُفْرَضَ لِلرُّضَعَاءِ لِيَمْتَنِعَ النَّاسُ عَنْ إِيذَائِهِمْ ( 5 ) . فَهَذَا إِحْسَانُهُ إِلَى ذُرِّيَّةِ الْمُسْلِمِينَ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْعُقُوبَةَ إِذَا أَمْكَنَ أَنْ لَا يَتَعَدَّى بِهَا الْجَانِي كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ ( 6 ) . وَمَعَ هَذَا فَإِذَا كَانَ الْفَسَادُ فِي تَرْكِ عُقُوبَةِ الْجَانِي أَعْظَمَ مِنَ الْفَسَادِ فِي عُقُوبَةِ مَنْ لَمْ يَجْنِ ، دَفَعَ أَعْظَمَ الْفَسَادَيْنِ بِالْتِزَامِ أَدْنَاهُمَا ، كَمَا رَمَى « النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ الطَّائِفِ بِالْمَنْجَنِيقِ » ( 7 ) ، مَعَ أَنَّ الْمَنْجَنِيقَ قَدْ يُصِيبُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ .
--> ( 1 ) ح ، ب : أَنْ . ( 2 ) ح ، ر ، ي : لِصَغِيرٍ . ( 3 ) م : حَتَّى يُطْعَمَ . ( 4 ) ر ، ي : لِلرَّضِيعِ وَلِلْفَطِيمِ . ( 5 ) ح ، ب : أَذَاهُمْ . ( 6 ) ن ، م : فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ ، ح : كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا ، ب : كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا . ( 7 ) فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ ط . بَيْرُوتَ 1376 1957 وَأَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ مَكْحُولٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَذَكَرَ الْخَبَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ 3 / 496 وَقَالَ الْمُحَقِّقُ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ 4 / 126 : وَرَمَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَنْجَنِيقِ ، حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ مَنْ رَمَى فِي الْإِسْلَامِ بِالْمَنْجَنِيقِ ، رَمَى أَهْلَ الطَّائِفِ ، وَانْظُرْ خَبَرَ الرَّمْيِ بِالْمَنْجَنِيقِ فِي جَوَامِعِ السِّيرَةِ ص 243 ، إِمْتَاعِ الْأَسْمَاعِ 1 / 417 - 418